الشيخ محمد الصادقي
406
الفرقان في تفسير القرآن بالقرآن والسنه
وعلّهم حملة عرش العلم والرحمة : « رَبَّنا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً » فهم دائبون في « يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ » « يُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ . . . » . تسبيحا بالحمد ، لا حمدا فقط أو تسبيحا فقط ، حيث التسبيح سلب لما لا يليق بذاته المقدسة دون إثبات ، والحمد إثبات في معرض الإحباط لقدسية الذات ، ولكنما التسبيح بالحمد هو سلب بلسان الإثبات جامعا بين السلب والإثبات ، وهو الحري في توصيف الذات ، فقولهم إنه عليم ، تسبيح له عن الجهل بإثبات علم ، وتسبيح له عن سائر العلم لسائر الخلق ، يعني أنه ليس بجاهل على الإطلاق ولا بعالم كالعلماء ! « وَيُؤْمِنُونَ بِهِ » إيمانا صارما واصبا يناسب حملة العرش ومن حوله وتسبيحهم بحمد ربهم ، وقد تلمح « يُؤْمِنُونَ بِهِ » على وضوح الإيمان لهؤلاء الكرام ، إلى الرد على الذين يتخذونهم أربابا من دون اللّه من ملائكة ونبيين ، وهل الرب يؤمن بالرب مهما اختلفت الدرجات ؟ أم « يُؤْمِنُونَ بِهِ » واحدا لا شريك له فلا يعبد إلّا هو ، فهل يؤمن الشريك بالوحدانية لشريكه ؟ وملامح الايمان أيا كان ظاهرة في وحدة الكون وتناسقه ، ووحدة التدبير وترافقه ، ووحدة الوحي بتواتره ، فليس لكلّ من هؤلاء ربوبية بعرشه الخاص ، وانما حمل لعرش العلم والرحمة إلى من يشاء من عباده دون خيرة لهم ولا اقتداء ، فإنما هم حملة مأمورون « لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ » . « وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا » وليس لسائر المكلفين إذ لا يغفر إلّا للذين آمنوا ، وليس لأنفسهم علّه لأنهم معصومون لا يعصون ، أو وأن من آداب الدعاء أن يدعو الداعي لغيره متناسيا نفسه ، ثم اللّه يغفر له كما للمدعوين ، ولكن « وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ » قد تطارده ، والرسول وهو أفضل حملة العرش يؤمر بتقديم نفسه في الاستغفار ، فقد تعني « وَيَسْتَغْفِرُونَ . . . » بعد ما استغفروا لأنفسهم ، ودعاء الاستغفار تختلف عن سائر الدعاء ، فعلى